"أمل" تبعث الأمل:
قـصــــة البداية: بعد حرب العام 1948م لجأ إلى لبنان أكثر من 150 ألف فلسطيني، وفي منتصــف السبعينات الميلادية وصل هذا العدد إلى أكثر من 400 ألف، وفي أعقاب الصدام العنيف في "أيلول الأسود" من عامي 1970، 1971م بين المنظمات الفلسطينية، والسلطات الأردنيـــة، لجأ كثير من هذه المنظمات إلى لبنان، وبطبيعة الحال فإن هذه المنظمات كانت أفضل تسليحاً وتنظيماً من أي قوة أخرى في الجنوب، في ذلك الوقت كان المجتمع الشيعي في حالة صحـوة كما مر، واجتمع للشيعة عدة عوامل تزيد من عدم رغبتهم في هذا الوجود الفلسطيني، ومنها:
1 ـ عامل التاريـخ: وهـــو ذلك العداء القديم لأهل السنة؛ فهاهم الآن في معقل من معاقلهم "جبل عامل" وبقوة مسلـحــــــة تستطيع تهديدهم بشكل مباشر ولهذا كان الشيعة أول من سارع لمساندة الجيش اللبناني "الـمــوارنـــة" فـي الاشـتـبـاكـات التي جرت مع المنظمات الفلسطينية، بل ومساعدة اليهود في ذلك أيضاً؛ فالموارنة لا يريـــدون تكثير "السنة" لأجل إنشاء دولتهم النصرانية، واليهود لا يريدون الفلسطينيين في لبنان لئلا يتهـــدد أمنهم مــن الشمال، والشيعة لا يريدونهم كذلك؛ لأنهم يمثلون عائقاً أمام تحـقـيـق وجـودهم وكيانهم الذي يسعون من أجله.
2 ـ عامل الجغرافيا: وهو الرغبة في عدم إثارة الدولة اليهودية "الجارة" وهذه الإثارة تنتج عـــن مـهـاجـمـــة الـمـنظـمات الفلسطينية لأي أهداف إسرائيلية سواء من داخل لبنان أو خارجها، وذلك أن دولة اليهـود دأبت على تأديب سكان الجنوب كلما حدث ذلك لتزيد من النقمة الشيعية على الفلسطينيين.
3 ـ عامل الأيديولوجيا الثوريـــة: حيث إن الشيعة في حال جديدة رغبة في التطلع لوضع سياسي واجتماعي يدفعهم نـحـــو الـدولــــــة الحلم في لبنان، والتمكين للطائفة في الواقع اللبناني، وحيث إن الجنوب هو معقلهم التاريخـــي، فلا مناص إذاً من التخلص من هذا العائق الكبير الذي يقف أمام هذا الحلم.
ولهذا فقد كان من الضروري التعامل مع هذه القضية الشائكة بحذر وجدية في الوقت ذاته.
فـالـحــــذر: كــان لاعتبار تلك النداءات التي أطلقها الصدر من أنهم يحملون هَمَّ القضية الفلسطينية وأنها قلب دعوتهم كما جاء في ميثاق حركته:
"فلسطين، الأرض الـمـقــدســـة التي تعرضت - ولما تزل - لكل أنواع الظلم، هي في قلب حركتنا وعقلها، وإن السعي إلـى تحـريــرها أول واجباتنا، وإن الوقوف إلى جانب شعبها وصون مقاومته والتلاحم معها شرف الحركة وإيمانها"(3).
كما كان من دواعي الحذر أن الصدام السـريــع مـــع الـمـنـظـمات الفلسطينية سوف يكون لصالحها لا محالة.
وأما الجدية: فكانت في إيجاد حركة مسلحة تستطيع تحقيق الأمن الذي تحتاجه الطائفة الشيعية، والتخلص من هذا الهمِّ الجاثم على صدورهم، وكــان أن أُعلن عن إنشاء "اتحاد محرومي لبنان"(4) أو "أفواج المقاومة اللبنانية" والتي عرفــت فيما بعد باسم "أمل". ومن العجيب أن هذا الاسم الأخير "أمل" كان من اقتراح ياسر عرفـات على موسى الصدر(5)، وكانت هذه الحركة هي "الجناح المسلح" لحركة المحرومين التي تم التدثر بها ابتداءاً.
"ومضى الصدر إلى أبعد من مجرَّد الدفاع الداخلي عن حقوق طائفـتـه، فنراه يقيم علاقات وثيقة مع المقاومة الفلسطينية، وهكذا نجده يخرج عن تحفظه في موضـوع الـعـلاقـات بين الدولة اللبنانية والمنظمات المسلحة التي كانت تعمل ضدّ (إسرائيل) بدءاً من جنوب لبنان، وكان تحـالفه معها يتيح لرجل الدين الإيراني أن يستفيد من دعم عسكري لكي يقف بقوة أمـــــام الرؤساء التقليديين لجبل عامل، وأن يجد بعد عام 1975م دعماً شخصياً (كتقديم أسلحة، وتدريب) عندما أسست الميليشيا العسكرية لحركة أمل"(6).
وكما تدربت ميليشيا أمل على يد "فتح" فقد كانت المنظمة تقدم خدماتها بهذه الصورة إلى ما هو أكـبـر وأوســـع من دائرة أمل، فقد وسعت هذه الخدمة لتشمل النشاط الشيعي على مختلف الأصعدة، وكأنهم يقولون لهم: هكذا تذبحوننا!!(7).
وعندما وجد الصدر مـن جماعته القوة التي تستطيع أن تواجه المنظمة ـ التي دربته ـ قلب لها ظهر المجن، فبـعـد أن اشتعلت الحرب المدنية اللبنانية، بدأ الصدر يغير موقفه بشكل واضح من المنظمات الفـلـسطينية، وقد نقل عنه كلمات قاسية جداً ضدها، قالها - قبل أن يختفي - لأحد رجال السياسة الموارنة القريب من الطلائع المارونية:
"إن المقاومة الفلسطينية ليست بثورة، إنها لا تقبل البرهان على قضيتها بالشهادة. إن هذه مكنة عسكرية ترهب العالم العربي؛ فمع السلاح يحصل عرفات على المال، وبواسطة المال يمكنه أن يغذي الصحافــة، وبفـضـل الصـحـافـــة يستطيع أن يجد آذاناً صاغية في الرأي العالمي، إن المنظمة (فتح) عامل اضطراب في الجـنــوب، وقد نجح الشيعيون بالتغلب على عقدة نقصهم تجاه المنظمة الفلسطينية(8).
فـي الـوقـت ذاتــه كــان الـصدر لا يريد أن يفقد علاقته مع حلفائه من الموارنة في السلطة الحاكمة فأعلن أن "أمل" عـــــون ومدد للجيش اللبناني في الجنوب في التصدي للهجمات الإسرائيلية!! وبهذا الفعل حصل الصدر على عدة مكاسب:
1 ـ اكتساب شرعية لميليشياته من الدولة اللبنانية، وعدم خسارة العلاقة معها.
2 ـ إضعاف سلطة الفلسطينيين فـي الجـنــوب بوجود قوة أخرى "لبنانية" مشتركة، وكان التعاون بينهم في هذا الجانب واضحاً(9).
3 ـ كان هناك كذلك مكسب هام ـ وإن كـــان إعلامياً ـ وهو الادعاء بأنه ما زال يدافع عن القضية الفلسطينية، وها هي قواته تقاتل في الجنوب ضد العدو الصهيوني، وهو ما اعتبره الصدر انتزاعاً لانفراد المنظمات الفلسطينية بالمواجهة، وعليه؛ فقد تم التفريق بين القضية الفلسطينية وبين مواجهة الفلسطينيين.
الهوامش:
(3)عبد الله الغريب، أمل والمخيمات الفلسطينية،ص157.
(4)انظر هذه التسمية عند باتريك سيل في كتابه: الأسد، الصراع على الشرق الأوسط، دار الساقي، ط2/1989م.
(5)انظر حوار نبيه بري مع مجلة الوسط، العدد :274/28/4/1997م.
(6)يان رينشار، الإسلام الشيعي، 200.
(7)انظر:الحرس الثوري الإيراني، نشأته وتكوينه، ودوره، كينيث كاتزمان، ص46،52،53، وانظر: وضاح شرارة، دولة حزب الله، ص109.
(8)فؤاد عجمي ، الإمام المستتر، ص178
(9)راجع في ذلك أمل والمخيمات الفلسطينية لعبد الله الغريب، وراجع حرب الألف عام في لبنان ، جوناثان راندال، ترجمة فندي الشعار دار المروج1984،ص33




ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق