الانقلاب على "أمل"!!
يـقـول ميثاق حركة أمل: "إن حركة أمل ليست حركة دينية، وميثاق الحركة الذي تمت صيـاغـتــه في عام 1975م، من قِبَل 180 مثقف لبناني معظمهم من المسيحيين!! يدعو إلى إلغاء النظام الطائفي في البلاد وإلى المساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين دون تمييز"(18).
وعـنـدمـا نجحت الثورة الإيرانية، كانت نقطة تحول كبيرة في الحركة الشيعية في لبنان؛ فقد تحقـق جــــزء كبير من حلم الدولة الثلاثية، وأصبحت هناك دولة دينية شيعية آلت على نفسها منذ اليوم الأول لها تصدير ثورتها لنصرة المستضعفين في كل مكان.
وكان على هذه الدولـــــة الجديدة أن ترد الجميل لأهلها في لبنان، فقد احتضنوهم بالمأوى والتدريب، وكان رد الجميل سريعاً، فأمدوهم ـ بعد الدفعة المعنوية الكبيرة بنجاح الثورة ـ بالمال والسلاح والرجال والتخطيط.
وهكذا - وبسرعة أيضاً - تم الإسفار عن الوجه المطلوب إظهاره في لبنان، وهو ذلك الوجه الكامن المختبئ إلى حـيـن، وجـــــــاء موعد خروجه من كمونه، ولكن ما زالت "أمل" هي الصورة الواضحة في لبنان كممثل رسـمــــي لشيعته، ولكن "أمل" بهذه الوجهة "العلمانية" أصبحت مرحلة مضت يجب تجاوزها؛ لأنها ستمثل عائقاً في طريق إكمال السعي للأهداف الجديدة، وبما أن الهدف من إيجاد "أمل" كان إخراج الفلسطينيين وحماية الشيعة منهم؛ فها هو الاحتلال الإسرائيلي لبيروت قد أخــــرج الفصائل المسلحة منها، كما أنه قد تمت تصفية عدد كبير منهم في مذابح مروعة قام بها اليهود والموارنة والشيعة.
وهكذا لم يعد لأمل دور تستطيع الدفاع عنه أو تـنــــــازع حوله، وعلى هذا فقد تم اتخاذ فرامانات عدة لزحزحة أمل من قلب الصورة إلى هامشها، وكان من ذلك:
1 ـ الضلـوع في إخفاء الصـدر أو قتله ـ كما مــر ـ لإضــعاف الحركة في أحد مراحلها.
2 ـ بروز خلافات "علنية" بين نبيه بري، ومحمد مهدي شـمـــس الـديـن الذي كان نائباً لرئاسة المجلس الشيعي الأعلى؛ حيث كان الصدر ـ الغائب ـ لا يزال الرئـيـــس، وسبب ذلك: عدم القبول بتصرفات بري ومنهجه "العلماني" !!
وقـــد نقل راديو "صوت لبنان الكتائبي" أن المكتب الخاص لنائب رئيس المجلس الشيعي الأعـلــــى أعلن أنه لم تعد للقيادة الحالية لحركة أمل أي علاقة مع سماحة الشيخ محمد مهدي شمس الدين، وقد أُبلغت القيادة الحالية لحركة أمل بهذا القرار في حينه(19).
3 ـ تـصـفــية بعض الرموز المهمة في حركة أمل، أمثال: مصطفى شمران الذي كان له دور بارز في الحـركـــة، وكان المسؤول التنظيمي فيها، كما تسلم إدارة المدرسة المهنية في جبل عامل التي أشرفــت على تخريج كوادر أمل العسكرية بعدما حضر إلى لبنان يحمل خطاب تزكية من الخميني(20).
وبعد أن قامت الـثـورة اســتـدعي لشغل منصب وزير الدفاع في إيران، وتم قتله أثناء زيارة للجبهة في الحرب مع العراق في ظروف غامضة(21).
4 ـ كان الخط الذي اتبعته "أمل" منذ بداياتها مع الصدر هو مد حبال الصلة مع الحكومة اللبنانية، وتمسكها "الظاهري" بـشــرعـية الدولة، والسعي من خلال هذا الطريق لاستنقاذ حقوق الشيعة وكان الاستمرار على هذه الـطـريقة هو مما يتعارض والهدف الجديد للحركة الشيعية في لبنان.
وجــــاء الاجتياح الإسرائيلي لبيروت، ودعا الرئيس اللبناني ـ وقتها ـ إلياس سركيس إلى اجتـمـاع "هيئة الإنقاذ الوطني" وكان نبيه بري عضواً فيها، وقبلت القيادة الدينية حضور بري(22) بـاعـتـبـار أن هـــــذه الهيئة ستتحول إلى حكومة وطنية، وهو أحد أهداف بري وحركته في أن يكون لهم تواجـــــــد حكومي قوي. وهنا أعلن أحد أبناء الحركة الخمينية الكامنة والمتدثرة بـ "أمل" انشقاقه عن "أمل" ورفضه لهذه المشاركة وأعلن "أمل الإسلامية" وكان هذا الرجل هو: حسين الموسوي، نائب رئيس حركة "أمل" وبهذا الانشقاق تم تفريغ "أمل" من كوادرها الخمينيين الذين انـضـمـــوا إلـى "أمــل الإسلامية" وكان ذلك الإعلان الرسمي الذي تحول فيما بعد إلى "حزب الله".
لماذا استمر بري(23) بـ "أمل "!؟
الـســؤال الذي يطرح نفسه: إن كان تم الانقلاب على "أمل" بهذه الطريقة، فلماذا استمر بري فـي صـدارة الصورة "السياسية" الشيعية، بل لا زالت "أمل" لها من الوجود نصيب؟
هناك قاعدة هـامـة يجب الالتفات إليها أولاً، وهي: أن معيار الظهور السياسي الشيعي في لبنان مرتبط ارتبـاطــــاً وثيقاً بإيران ومطالبها في لبنان، وذلك حسب الخيارات والأهداف المرحلية التي تنتهجها(24).
ثانياً: استخدام إيران لبري بعد الصدر(25) كان لعدة اعتبارات:
1 ـ كان هناك إقرار وموافقة من قِبَلَ "الفقهاء" أصحاب السلطة الحقيقية - عـلـــى بــري ومنهجه والدور الذي سيؤديه، وإلا لما كان له وجود ابتداءاً باعتبار اليد الطولى للملالي.
2 ـ أن الــواقع الطائفي اللبناني أفرز عدداً من الشخصيات الشديدة التعصب لمذهبها، وإن لم تكن "مـتـديـنــة" في سلوكها، وكان بري من تلك النماذج، وهو ما تقتضيه المرحلة.
3 ـ هذه المرحلة تحول فيها الشيعة إلى العمل المسلح الظاهر، وأضحى هدفهم بالتخلص من الفلسطينيين "الســنـة" معلناً، وكان من الصعب أن تلصق المذابح التي أعدوا لها وقاموا بها بأحد الآيات أو الحـجــج، كــيـف ذلـك وهـم يـنـــــادون بالتقارب مع أهل السنة وإزالة الحواجر، وعندما وقعت ألصقت بـ "علمانيي" المنهج.
وعـلـــى ما سبق فالود باق مع بري، ولا نُغفل هنا عقيدة "التقية" التي هي من أصول دين الإمامية، وعلى هذا فيبقى في الأخير أن الأدوار توزع حسب الحالة، وليس أدل على ذلك من البـيـان الذي صدر في 8-10-1983م؛ حيث أعلن عبد الأمير قبلان ـ المفتي الجعفري الممتاز ـ باســم المجلس الشيعي الأعلى ما يلي: "إن حركة أمل هي العمود الفقري للطائفة الشيعية، وإن مــــــا تعلنه (أمل) نتمسك به كمجلس إسلامي شيعي أعلى، وبالتالي فإن ما يعلنه المجلس الشيعي تتمسك به الحركة"(26).
وجاء هذا الإعلان بـعـد البيان الذي أذيع في 27-2-1983م من أن حركة أمل لم يعد لها علاقة بالمجلس الشيعي الأعلى!!
4 ـ جاء هذا التأييد ـ الـســـابق ـ للحركة بعد الانشقاق الذي خرجت به "أمل الإسلامية" وبعد "الحضور الفعلي" لحزب الله على أرض الصراع.
5 ـ كان للسياسة الإيرانية في لبنان خطان تستعملهما في تحقيق أهدافها:
خط أول: يتلمس سبل طي الـحـــــــرب المستمرة والمقيمة ولو من خلال التفاوض مع ممثل "القوات اللبنانية"، وفي رعاية وسيط أمـكـنـــه من القيام بالوساطة احتلالٌ إسرائيلي يطوق بيروت والقصر الجمهوري ويرزح بثقله على الجنوب وعلى الجبل.
وخط آخر: رأى في الاحتلال وفي ما حفَّه مـن أدوار سياسية ودبلوماسية أمريكية وأوروبية وعربية ذريعة إلى تجديد الحرب، وإلى اخـتــبـــــار الاستراتيجية الإيرانية في ميدان غير إيران.
وبـيـنـما أملت الخط الأول عصبية شيعية لبنانية حفظت من الروابط المحلية والعالمية ومن اعــتـدال النخبة الصدرية الأولى قسطاً كان لم يزل فاعلاً، فقد أملت الخط الثاني نزعة إلى توسـيـع الـنـزاع، وإلـى تأجـيـجـــــه وتوجيهه وجهة ضم جبهة لبنان إلى جبهة الخليج والجبهات الإقليمية المشرقية، وإلى اســــتـدراج القوى الغربية التي تلعب دوراً راجحاً في النزاع الإقليمي، ولو من غير الاشتراك في الاشتباك مع المجابهة المباشرة(27).
ونختم هنا بكلام لحسن نصر الله، الأمين الـعـــــام لحزب الله، يقول: إننا حريصون على علاقة طيبة مع "أمل" ونحن نعمل على تطوير هــذه العلاقة، وهناك لجنة ثنائية من أحد قادة "أمل" مع أخيه في حزب الله ينظرون في كل الأمــــــور المـشتركة سياسية وعسكرية، وسياستنا تقول: إن الموضوعات التي نتفق عليها نتعاون معاً، ومــــا نختلف عليه لا يؤدي الخلاف في وجهة النظر إلى نزاع، حتى الخلافات تم تنظيمها، الطـابــــع الـعـام لعلاقتنا الإيجابية والتنسيق والتعاون، وقبل أسابيع حضرت لقاء مع الرئيس "بري" لتـثـبـيت هذه الصيغة وتفعيلها(28).
وبـهـذا يـتـضــــح أنـــه لم يكن هناك إبعاد كبير للحركة بقدر ما هو زحزحة من الصورة "العسكرية" والمواجهة إلى الساحة "السياسية" واستبقاؤها لأدوار أخرى تتوافق والمتغيرات السياسية لإيران وملفاتها في لبنان.
الهوامش:
(18)أمل والمخيمات الفلسطينية، ص155.
(19)انظر: حركة أمل، مرحلة ما بعد المصدر، مجلة المجتمع،العدد: 958، ص51، وانظر: أمل والمخيمات، ص177.
(20)انظر:الإسلام الشيعي، ص211، وانظر حوار نبيه بري مع مجلة الوسط، العدد: 278/26/5/1997م.
(21)انظر: حركة أمل، مرحلة ما بعد الصدر، مجلة المجتمع، العدد/958،ص50.
(22)انظر ذلك في حوار بري مع الوسط، العدد:274،ص18،والعدد،277،ص33.
(23)انظر ترجمة له في أمل والمخيمات، لعبد الله الغريب، ص167ـ 171، انظر: حكام لبنان، مجلة، العدد: 795،13/4/1995م، ص44.
(24)راجع:آ.ر. نورتون، لبنان : الصراع الداخلي والارتباط بإيران،ص116ـ137 عن الإسلام الشيعي، ص211.
(25)شغل حسين الحسيني منصب الأمانة العامة لحركة أمل بعد غياب الصدر إلى أن تولى بري عام 1980.
(26)أمل والمخيمات،184.
(27)دولة حزب الله،ص118ـ119.
(28)حوار أجرته مجلة المصور المصرية في شهر مارس 1999،ونشرته مجلة المقاومة في العدد:40/إبريل/1999م،ص26.




ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق