ثورة تحمي .. الثورة:
إذا أراد شخص ما أن يحقـق لـعـمـلــــه الهدوء والاستقرار، والأشخاص المحيطيون به لا يوفرون له ذلك، بل لا يريدون له ذلـك، فــلا بد من التفكير والسعي لأن يصنع لهم شيئاً يشغلهم عنه ويلتهون به، وهذا ما فعلته إيران بعد ثورتها.
"فمنذ بداية انتصار الثورة الإيرانية عام 1979م، طـالـب الـتـيـــار الداعي لتصدير الثورة باعتبار تصدير الثورة إحدى سبل حمايتها في الداخل، وبعدم الاكتفاء بالدعاية الخارجية للنموذج الإيراني بل بتقديم مساعدات ودعم لقوى سياسية خارج إيـــران، وخاصة القوى الراديكالية المعادية للنظم القائمة في العالم الإسلامي لإنشاء حكومات على النمط الإيراني.
وقــد طـالـــب الخميني منذ البداية بتكرار ثورة إيران في البلدان الإسلامــيــة الأخـــرى، باعتبارها خطوة أولى نحو التوحد مع إيران في دولة واحدة يكون مركزها إيران في المواجهة مع من أسـمـاهـم بأعــــــداء الإسلام في الشرق والغرب. والتزم بتدمير من أسماهم بالأنظمة الفاسدة التي تقمع المسلمين واستبدالها بما اعتبره حكومات إسلامية، كما ربط بين تصدير الثورة وبين مواجهة الإمبريالية وتحرير فلسطين.
وأضفى الخميني على رؤيـتــــه قدراً من الواقعية عندما ذكر أن عدم تصدير إيران لثورتها سيضعفها أمام أعدائها.
وقــد ســوَّغ الـدكـتور حسن آيات ـ أحد منظري الحزب ـ تدخل الثورة الإيرانية في شؤون الدول الإسلامية الأخــــرى بأن على إيران نصرة المستضعفين في كل مكان حتى يتم ضمان استمرارية الثورة واتساع دائرة إشعاعها.
وقد جاءت تصريحات لعـدة مسؤولين إيرانيين لتؤكد أن إيران لن تأمن من مؤامرات الدول الكبرى إلا إذا حدثت ثـورات ممـاثـلـة في العالم الإسلامي، ووعدت بمساعدة كل حركات التحرير والحركات الإسلامية الراديكالية في أي مكان في العالم"(29).
كما بذلت إيران ما في وسعها منذ قــيــام الثورة لإدماج الأقليات الشيعية الأجنبية سياسياً تحت قيادة الإمام، وهكذا دعمت في فــــتـرة أولى تمتد حتى عام 1982م، كافة الحركات الشيعية الصرفة مثل حركة أمل في لبنان.
بـعــــد ذلــــك راحت تطلب المزيد من الراديكالية والمزيد من التخلّي - في آن معاً - عن المرجعية الوطنية والاندماج في بنى إيرانية محضة، وهذه الفترة الثانية هي الفترة التي بدأ فيها ظهور الأحزاب التي دُعيت بأنها أحزاب الله، سواء في لبنان أو أفغانستان، وإلى قيام تنظيمات باسداران لدى الشيعة.
وهكذا، فإن السفارة الإيرانية في بيروت أصبحت بمثابة قيادة الأركان الشيعية الحقيقية في لبنان؛ حيث شــــرع حزب الله وأمل الإسلامية التي نشأت عام 1982م في معارضة حركة أمل، مع الابتعاد عن رجال الدين الأكثر تقليدية (مثل الشيخ محمد مهدي شمس الدين).
أما المرحلة التالية فكان قوامها توجيه المجموعات الشيعية لشنّ هجمات ضد خصوم إيران وهي المرحلة التي حولت لبنان بخاصة إلى ساحة حرب ضد الرعايا الغربيين (تدمير مركز قيادة الأركان الفرنسية والأمريكية عام 1983م)(30).
وتفلسف أحد قادة الحركة في لبنـان وهو إبراهيم الأمين ـ وقال: إن تصدير الثورة لا يعني تسلط النظام الإيراني عـلــى شــعـوب منطقة الشرق الأوسط، وإنما المفروض أن تعيش هذه المنطقة الإسلام من جديد!! ـ أي إسلام؟ ـ فيكون المتسلط على هذه الشعوب الإسلام وليس الإنسان، على هذا الأساس نحن نـعـمـل في لبنان من خلال المسؤولية الشرعية ومن خلال القناعة السياسية أيضاً، حتى يصبح لبنان جزءاً من مشروع الأمة في منطقة الشرق الأوسط، ولا نعتقد أنه من الطبيعي أن يكون لبنان دولة إسلامية خارج مشروع الأمة(31).
وكان الحرس الثوري الإيراني هو المؤسسة الرسمية الرئيسة التي تحمي وترفع راية مبادئ الثورة الإسلامية ومُثُلها التي حددهــــــا الخميني، وقد لعب الحرس دوراً هاماً في ترسيخ أفكار الثورة وزعيمها(32).
وانطــلاقاً من هذه السياسة الإيرانية بعد نجاح الثورة وبلوازم الدور الذي يقوم به الحرس الثوري لـتـصـديـــــر هـذه الثورة، ولتحقيق الأمل الآخر بقيام الدولة الأخرى في لبنان فقد ساعدت مفرزة الحرس في لبنان على تأسيس "حزب الله"، وعلى تدريبه ودعمه فيما بعد، بهدف إقامة جمهورية إســلامية في ذلك البلد، وعموماً كانت قيادة مفرزة الحرس وأفراده في لبنان ـ وقوامها 2000 مقاتل ـ تضم أكثر رجال الحرس راديكالية من الناحية العقائدية وإلى جانب المساندة والتدريــب العسكريين المباشرين لحزب الله لعب الحرس دوراً عقائدياً وسياسياً كبيراً في وادي الـبـقـــاع اللـبـنـانـي؛ حيث بثوا معتقداتهم بين السكان المحليين وأسسوا المدارس والمستشفيات والمساجد والجـمـعـيــــات الخيرية، واكتسبوا التأييد للثورة الإسلامية وأمدوا حزب الله بالمجندين.
كما لعب السفير الإيراني السابق في سوريا ووزير الداخـلـية علي أكبر محتشمي، وهو أحد المتشددين البارزين، دوراً فاعلاً بالتعاون مع الحرس في تشـكـيـل حزب الله، ويبدو أنه لا يزال يتمتع بنفوذ قوي في لبنان. كما تسعى السفارتان الإيرانيتان في سوريا ولبنان مع وزارة الخارجية الإيرانية وبعض الزعماء الإيرانيين، إلى السيطرة على أنشطة الحرس والسياسة الإيرانية في لبنان(33).
الهوامش:
(29)انظر:د.وليد عبد الناصر، إيران: دراسة عن الثورة والدولة، دار الشرق، ط1/1418هـ،ص70ـ75.
(30)انظر: أولفيه ورا، تجربة الإسلام السياسي،ص182ـ183.
(31)دولة حزب الله/210.
(32)انظر: الحرس الثوري الإيراني،نشأته وتكوينه ودوره، ص26ـ27.
(33)المصدر السابق، 139ت140،178،180،وانظر: دولة حزب الله، ص277. وانظر: مجلة المقاومة العدد:31،ص4.




ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق