بين طهران ودمشق:
مـنـذ اللحظة التي تسلم فيها الخميني السلطة في أوائل عام 1979م اعتبر الأسد مصادقته شيئاً تقتضيه مصالحه العليا.
وبوقــوفــــه إلـى جـــانب دولة خارج الأسرة العربية، ومع حركة إسلامية ثورية تتحدى المؤسسات السنية أظهر الأســــــد تحرراً غير معهود من التقاليد، وأعاد رسم قواعد نظام القوى في الشرق الأوسط. وكانت هـناك أسباب استراتيجية هامه لتحركه.
رحب الأسد باستيلاء الخميني على الـسـلـطــة في طهران ببرقية تهنئة حارة، وبعد ذلك بأسابيع قليلة أرسل له نسخة من القرآن مزخـــرفـــــة بالذهب والأحرف الساطعة، هدية حملها إلى "قم" وزير إعلامه في ذلك الوقت أحمد إسـكـنــدر أحمـد، وبعد تقبيل المصحف شكر آية الله سورية على عرضها له بالنزول في ضيافتها في أكتوبر سنة 1978م، وقام وزير خارجية الأسد في ذلك الوقت عبد الحليم خدام بزيارة طهران فـي أغسطس سنة 1979م، وأعلن بشيء من المبالغة والغلوّ أن الثورة الإيرانية هي "أعظم حــدث في تاريخنا المعاصر"، وافتخر بأن سورية قد دعمتها "قبل قيامها وأثناء اندلاعها وبعد انتصارها"(22).
بالإضافة إلى ما ذكر من الترابط العقدي بين سورية العلمانية بعدمــا ســيـطـر حزب البعث على النظام فيها، وبين إيران الثورية الخمينية؛ فإن هناك عوامـل أخـرى كـــانـت دافعاً لكل طرف لكي يـوثق التحالف مع الآخر، وقد تشعبت هذه العوامل وكثرت.
بالنسـبـة للسوريين فقد كان توقيت الثورة الإيرانية أكثر ملاءمة لهم؛ حيث تفاقم إحساس سورية بالـعـزلــة وكونها عرضة للخطر الاستراتيجي بشكل متزايد نتيجة لتخلي مصر عن الصراع ضد "إســـــرائـيـل" وتوقيعها على اتفاقية كامب ديفيد في عام 1979م، وقد كانت سورية قلقة أيضاً لكون
مصر ـ وقد أصبحت في المعسكر "المؤيد للغرب" بثبات ـ سوف تجر في أعقابها أطرافاً عربية أساسية أخرى ـ بما في ذلك الأردن ـ مما يؤدي إلى زيادة عزلتها وإضعاف موقعها إزاء "إسرائيل".
إن الموقف السوري من إيران قد تحول إلى موقف منطقي محسوب يقوم على اعتبارات القوة والتوازن مع النظام المنافـــس فـي الـعراق من ناحية، وبالمفهوم الإقليمي الأوسع من ناحية أخرى. إن دور إيران في تقييد حرية الحركة العراقية كونها ثقلاً موازناً ضد أطراف عربية أخرى، بما في ذلك مصر ـ هذا الدور يمـكــن أن يكون قد أضاف بعداً إلى الحوافز السورية لإعادة نظرها في موقفها نحو إيران.
وتـأتـي اهـتمامات إيران من ناحيتها لتعكس عدداً من العوامل المستقلة والمتداخلة؛ فكانت إيران في حــاجة إلى حليف يعتمد عليه أكثر إلحاحاً بشكل كبير بسبب رغبتها في الحفاظ على موطئ قدم هام في المعسكر العربي، وحاجتها لإبقـاء الضغط على العراق.
إن الحفاظ على علاقات جيدة مع سورية قد منح إيران فائدة أخرى هي تحديداً: الوساطة السورية الممكنة مع عدد من الدول الهامة الأخرى في المنطقة العربية.
وعلى الصـعـيـد الدولي كانت روابط سورية الوثيقة مع الاتحاد السوفييتي قد منحت إيران قناة لا تقدر بثـمـــن إلى القوة العظمى الأخطر على حدود إيران المباشرة؛ فإن إيران كانت مدركة لحاجتها إلى الحـفـاظ عـلـــى علاقات الدولة بالدولة مع الاتحاد السوفييتي بشكل نِدِّي لعدد من الأسباب السياسية والاقتصادية والطائفية والاستراتيجية.
أدت مساعي سورية الحميدة في بعـض الأحيان إلى تسريع الاستجابة السوفييتية للمطالب الإيرانية، كما كان الحال ظاهرياً بالنسبة للشحنات العسكرية السوفييتية العابرة إلى إيران عن طريق سورية.
لقد عكس هذا التحالف عدداً من الاعـتـبتارات، منها: تراخي الضغط على صدام حسين؛ فالدعم السوري لإيران كان يعتمد على الخــــــلاف مع العراق، وزاد من احتمال الانتقام العراقي ضد سورية إذا ما سنحت الفرصة لذلك؛ إذ إن انهيار التحالف مع إيران سيكون له تأثير ضئيل في تهدئة صدام حسين في هذه الـمـرحـلــــة، وقد تكون سورية رأت أن من الأفضل الإبقاء على إيران ثقلاً موازناً للعراق بدلاً من التـعـويـــــل على الاعتراف العراقي بالجميل مقابل تغير متأخر في العلاقة مع طهران.
لـقــد ساعد الغزو العراقي لإيران في أيلول 1980م في تحضير الأساس لتحالف رسمي بين سورية وإيران أثناء المرحلة الأولى من الحرب ما بين 1980، 1982م.
بالنسبة للإيرانيين: قدم السوريون وسيلة غير مباشرة للضغط العسكري على العراق ومصدراً مباشراً للسلاح للقوات المسلحة الإيرانية المنغمسة في الحرب.
بعد أحداث مدينة حماة ـ ولاحظ المناسبة ـ سارعت الدولتان باتجاه تحالف رسمي؛ فقد تم تـوقــيــــع بروتوكول تجاري واقتصادي بعيد المدى بين البلدين من قبل نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام في طهران في مارس 1982م.




ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق